الجمعة، 23 يوليو 2021

احلام غريبة ( الجزء الثالث )

-٥-

استيقظ هشام من النوم على نغمة رسالة اتته من رقم مجهول التقط هاتفه المحمول من جواره فتح الرسالة ليجد محتواها كالآتي :

لا تضيع وقتك في البحث عن الحقيقة لأنها واضحه وضوح الشمس ، الموت تذكره دخولك مدينه الأحلام .

لم يندهش هشام من تلك الرسالة فقد أيقن صدق ما يحدث له ولكن ما شغل باله انكشاف السر بأنه كاتب رواية مذكرات ميت انتفض من مكانه فجأة ظل يبحث عن الرواية في كل مكان في الشاليه ولكنه للأسف لم يجدها وكأنها فص ملح وداب وبعد أن يأس من إيجادها قرر أن يعود إلى القاهرة خاصة أنه اكتشف ان مجيئه إلى العجمي لم يغير شيء فالحقيقة أصبحت واضحه وضوح الشمس كما جاء في الرسالة .

استقل سيارته في منتصف الليل اختار الطريق الصحراوي كعادته أشعل سيجارة حشيش ليسيطر بها على توتره ويعطل عقلة مؤقتا عن التفكير وأثناء سيره في الطريق أشارت له امرأه من قلب الظلام فتوقف دون تفكير بعدما تخطاها بمسافة صغيرة ثم عاد إليها بالسيارة ابتسم لها ثم قال : انا رايح القاهرة .

قالت المرأة بهدوء : طريقنا واحد .

ركبت المرأة معه السيارة تفحصها هشام دون أن يضايقها بنظراته المرأة في منتصف العشرينات بشرتها بيضاء عيونها زرقاء شعرها اسود كالليل ترتدي عباءه سوداء اعجب هاشم بجمالها الفتان حاول أن يتظاهر بتركيزه في الطريق حتى لا تخاف منه

سألته المرأة ببجاحه : انتي بتبصلي اوي كده ليه ؟

رد هشام بجراه : اصلك جميله اوي .

نظرت له المرأة بتعجب ثم قالت : ده على اساس انك اول مره تشوفني !

سألها هشام باستغراب : هو احنا اتقبلنا قبل كده ؟

فأجابته المرأة بثقه : افتكر لوحدك .

لم يفكر كثيرا حتى اكتشف شخصيه المرأة الجالسة بجواره في السيارة انها المرأة التي جاءته في حلمه الاول حينما كانت تناديه بمولانا السلطان صحيح أن ملابسها تغيرت لكنها هي نفس المرأة ليست مجرد شبيها لها ، اوقف هشام السيارة فجأة لم يضع السرعة في حد الاعتبار مما جعل السيارة تفقد توازنها للحظات وكأنها يقفان على أعتاب الموت

 فسألته المرأة بذعر : حد يقف بالطريقة دي كنا هنموت !

فسألها عليها هشام بحده :  انتي مين ؟

فردت المرأة بثقه : انت اكتر واحد عارف انا ابقى مين .

صرخ هشام في وجهها قائلا : انتي الست اللي جاتلي في الحلم وكنت دايما تقوليلي مولانا السلطان .

رددت  المرأة بهدوء : انت اللي رسمت شخصيتي وانت اللي حددت دوري في الرواية .

صمت هشام لأنه  لم يجد كلام يقوله بحث عن علبه سجائره وبعد أن أشعل سيجاره نظر ناحيتها ولكنه للأسف لم يجدها بحث حوله في كل مكان ولكن للأسف اختفت وكأنها لم تكن صرخ  بغضب : هو ايه اللي بيحصلي انا خلاص اتجننت .

استقل هشام سيارته مره أخرى قرر أن يبحث عن المرأة ليثبت لنفسه أنه عاقل وليس مجنون سار كالمجنون يبحث عنها ولكنه لم يجدها داس على دواسة البنزين كلما ازداد غيظه حتى وصلت السيارة إلى سرعه جنونية وفجأة ظهر أمامه شخص لم يستطيع تفاديه فصدمه بالسيارة لم يفكر هشام ان يوقف السيارة ليطمئن على ضحيته هل ما زال حيا أم مات مهروسا تحت عجلات سيارته ؟

هكذا تنعكس شخصيه هشام من أفعاله الخبيثة انسان اناني وجبان يرتكب جريمته ويهرب خوفا من العقاب وفي النهاية اكمل هشام سير بالسيارة وكأن شيء لم يكن ليس هذا فقط لقد اوقف حملة البحث عن هذه المرأة وأثناء رحلته رأي شخص غريب في مرأه السيارة تلفت خلفه ليجد رجل عجوز يجلس خلفه اوقف السيارة فجأة دون مراعاه السرعة حتى كادت أن تنقلب الغريب في الأمر أن العجوز لم يعلق أو يتأثر بما حدث .

  سأله هشام بريبه  : انت جيت هنا ازاي !

رد الرجل ببرود : مش مهم جيت ازاي الاهم جيت ليه .

 ساله هشام بغضب : انت جيت ليه ؟

اجابه الرجل بنبره عنيفة  : جيت علشان انتقم منك .

تفحصه هشام بحذر ملامحه تطفح بالكراهية والانتقام مد يده بهدوء ليسحب سلاحه الناري من تابلوه السيارة  ولكن لسوء حظه لم يجد السلاح

قال الرجل بعصبية : عايز تقتلني تاني .

فسأله هشام بدهشة : اقتلك تاني ازاي ؟

اجابه الرجل : فاكر لما كنت بتجري بعربيتك وانت سكران في اللحظة دي كنت بعدي الشارع علشان اروح شغلي وفجأة خبطتني بالعربية وطلعت تجري .

رد هشام بضيق : انت الراجل اللي خبطه بالعربية من شويه  .

صرخ الرجل في وجهه قائلا : انت خبطتني بعربيتك من عشر سنين  وجاي تقولي انا خبطتك بالعربية من شويه .

رد هشام بعصبية : انت كداب انا مش فاكر حاجه زي دي .

قال الرجل باستهزاء : طول عمرك ما بتشوفش غير نفسك .

 احس هشام بصدق الرجل من نبره حديثه لكنه لم يتذكر تلك الحادثة فرجح بأن ما يحدث له علاقه بمدينه الأحلام التي يراها في احلامه فالمشكلة تخطت الأحلام وطافت على أرض الواقع كجثه الغريق عندما تطفو على سطح البحر

قال هشام بتعاطف : انا مستعد ادفعلك التعويض اللي انت عايزه بس تسامحيني .

ضحك الرجل بهستيريا ثم قال : اسامحك على ايه ولا ايه !

قاطعه هشام قائلا : هاديك خمسين الف جنيه مبلغ محترم يخليك تنسى كل اللي عملته فيك

 انقض عليه الرجل امسكه من تلابيب ملابسه جذبه نحوه بقوه لا تليق بسنه الكبير فقد تخطى الستين حاول هشام الإفلات منه لكنه لم يستطع

صرخ الرجل في وجهه قائلا : الخمسين الف بتوعك هيرجعوا حياتي بعد ما قتلتني !

سأله هشام بقلق : هو انت مت بعد ما خبطك بالعربية ؟

لم يعلق على كلامه وترك ملابسه بعدما صوب له نظره احتقار أعاد هشام هندمه ملابسه وأشعل سيجاره لتنفيس غضبه معها

قال الرجل بنبره حزينة : بعد ما مت مراتي كانت بتشحت في الشوارع علشان تعرف تعيش لحد ما في يوم من الأيام لقوها مرميه على الرصيف ماتت من الفقر والبهدلة وانت السبب في كل ده منك لله يا شيخ .

بكي الرجل بحرقة حينما تذكر تلك الأيام السوداء وفي هذه اللحظة تذكر هشام ما حدث في تلك الليلة المشئومة وكأنها حدثت الان حيث كان يجري بسيارته على أقصى سرعه فاقد التركيز بسبب حاله السكر الشديدة التي وصل لها والتي ترجع لكميه الخمور التي تجرعها حيث كانت اكبر بكثير من المعتاد عليه ، وفجأة مر من أمامه رجل كبير السن لم يستطع تفاديه صدمه بالسيارة وهرب خاف من يقبض عليه اذا وقف بالسيارة واختار أن يكون ندل وجبان على أن يكون شجاع ويتحمل اخطاءه ويدفع ثمنها .

التفت خلفه ليحدث الرجل ولكنه لم يجده اختفى فجأة مثلما اختفت المرأة قبله ولكنه لم يحاول البحث عنه اما عن حالته النفسية فكانت سيئة للغاية لم ينفع معها سجائر الحشيش كمسكن ظل ضميره يأنبه طول الطريق حتى وصل إلى القاهرة .

-٦-

 بعدما عاد هشام إلى بيته في القاهرة قرر أن يقابل حسناء باي طريقه التقط الهاتف وقبل أن يتصل بها سبقته هي في الاتصال رد عليها قائلا: انا محتاج لك ضروري .

ردت عليه حسناء بهدوء : خلاص بكره نتقابل  .

قال هشام بإلحاح : بس انا عايز اشوفك دلوقتي ضروري يا حسناء .

صمتت حسناء قليلا ثم قالت : نص ساعه واكون عندك في البيت .

الوقت يمر ببطيء شديد عقارب الساعة ثابته لا تتحرك من مكانها ظل هشام على هذا الحال ينظر إلى ساعته كل عده دقائق يلف في الشقة كالمرضة النفسيين بينه وبين الجنون شعرة ويخشى أن يكون تخطاها وأصبح مجنون ، مر أكثر من ساعة ولم تأتي حسناء التقط هاتفه المحمول ليتصل بها لكنه للأسف مغلق أحس بأنها تريد الهروب منه باي طريقه فقد تكون علامات الجنون ظهرت عليه دون أن يدري فالمجنون لا يعلم أنه مجنون  في هذه اللحظات العصبية قرر هشام ان يترك البيت ويسير في الشارع لعل حالته النفسية تهدأ ولو قليلا .

فتح باب الشقة ليجد حسناء أمامه ترسم على وجهها ابتسامه هادئة شعر براحه نفسية غريبه عندما وجدها أمامه قال بفرحة : اتفضلي .

وأشار لها لكي تدخل البيت نظرت له بخجل وسارت بخطوات مضطربة الا اول مقعد أمامها وجلست ثم قالت برقه : هو انت كنت خارج .

قفل هشام باب الشقة بهدوء ثم تلفت لها قائلا بعتاب : اصلك اتأخرتي عليه .

رددت حسناء بإحراج شديد : بصراحة انا مكنتش جايه .

فسالها هشام باستغراب : ليه ده انا محتاج لك اوي .

نظرت حسناء للأرض خجلا ثم قالت : انت عارف ان دي اول مره ادخل فيها شقة راجل غريب .

رد هشام بهدوء محاولا زرع الاطمئنان داخلها : محدش في الدنيا دي كلها هيخاف عليكي ادي .

ابتسمت حسناء بخجل ثم سألته : ايه بقى الموضوع الضروري اللي كنت عايزني فيه ؟

صمت هشام قليلا ثم قال : انا اتاكدت أن كلامك كله صح مليون في الميه

نظرت حسناء إليه مستفسرة فاردف هشام قائلا : الكلام اللي قولته من يومين في الكافية .

رددت حسناء باندهاش : بس انا بقالي اسبوع في الساحل ولسه راجعه النهارده .

الذهول الجم لسانه لدقائق ويعدها صرخ في وجهها قائلا : انتي كدابه عايزه تجنيني وخلاص .

رددت حسناء بغضب : الظاهر اني غلط لما جيتلك .

 استعدت للانصراف وقبل ان تخطو خطوه واحده تجاه باب الشقة امسك هشام يدها بلطف محاولا تلطيف الموقف وقال بتوسل : انا اسف يا حسناء

اشاحت وجهها بعيدا ولم ترد عليه التقط كف يديها ثم قال : انا يجد بمر بحاله نفسيه صعبه اوي لو بتحبني خليكي جنبي   .

رددت حسناء بحزن : ده بسبب المخدرات اللي انت بتشربها بكميات كبيره ده غير حبستك في البيت بالشهور كل ده ممكن يدمر نفسيه أي بني ادم .

فقال هشام باستغراب : ازاي بس هاقعد في البيت بالشهور طب والكافية بتاعي وشغلي !

رددت حسناء بدهشة : بس انت اصلا ما عندكش كافيه وبقالك اكتر من خمس سنين مبتشتغلش .

انصدم هشام من كلامها والذي يؤكد أنه مجنون وكل ما يعيشه مجرد أوهام رسمها عقله الباطن لا أكثر .

فقال لها بتوتر : بس انتي قولتيلي أن عماد جوزك انتحر بسبب الأحلام الغريبة اللي كان بيحلم بيها كل يوم وكل ده علشان يخش مدينه الأحلام .

فقاطعته حسناء قائلة : ايه الكلام الغريب اللي بتقوله ده !

فرد هشام بغضب : قولتلي كمان انك قاريتي رواية اسمها مذكرات ميت اصل انا قرأت الرواية دي وانا في العجمي .

رددت حسناء بنبره يكسوها الخوف : من ست شهور جيتلك علشان اطمن عليك لاقيتك بتكتب في اجنده ومنهمك اوي في الكتابة ولما سألتك بتكتب ايه ؟

 قولتلي : انك بتكتب رواية اسمها مذكرات ميت .

استسلم هشام لليأس فقد أيقن انه مجنون ولا فائدة من العناد أكثر من هذا التقط علبة السجائر من على المنضدة فلمح اجنده حمراء فتحها ليجدها مدونه بخط يده

قالت حسناء بثقه : هي دي الرواية اللي شوفتك بتكتبها من ست شهور .

قلب هشام الصفحات ليكتشف أنها تلك الرواية التي قرأها ولكن بخط يده مذكرات ميت ارتمي بجسده على الأريكة ثم قال بيأس : انا كده اتاكدت اني خلاص بقيت مجنون .

في هذه اللحظة تبدلت ملامح حسناء من امرأه هادئة ورقيقة إلى امرأه شرسة يفوح منها رائحة الشر عينها تلمع بالدهاء والمكر

حيث قالت بصرامة : على فكره انا جوزي عايش منتحرش واسمه شديد مش عماد .

قال هشام  بدهشة : شديد اه انا سمعت الاسم ده اكتر من مره في مدينه الأحلام .

رددت حسناء بحده : طبعا لازم تكون عارفه لأنه صاحبك بس انت طلعت خسيس وزباله.

فقال هشام بنبره منكسرة : مش فاكر حاجه خالص .

فقالت حسناء بضيق : ده انت حاولت توصلي بكل الطرق ولما حكيت لشديد على قله ادبك معايا جالك البيت هنا ورنك علقه محترمه بعدها بكام يوم شديد اتحبس في قضيه مخدرات انت اللي لبستها له كل ده علشان ابقى لوحدي فريسه سهله تقدر توصلها .

قال هشام بحزن مؤنب ضميره : انا كده ابقى زباله بجد .

قالت حسناء بتشفي وهي تقترب من باب الشقة مستعده للانصراف : بس انا ما سبتش حق شديد يضيع واديك بتدفع التمن غالي .

فسالها هشام مستفسرا : يعني ايه ؟

فرددت حسناء بفرحة منتصر : اتفقت مع ساميه الخدامة بتاعتك انها تحطلك حبوب هلوسه في الشاي والقهوة بكميات كبيره وفي مواعيد ثابته .

فقال هشام بغضب : يعني كل اللي بيحصلي ده بسبب حبوب الهلوسة .

فرددت حسناء بثقه : الحبوب دي مفعولها قوي جدا ومدام الخيالات والتهيئات اتمكنت منك يبقى العلاج مستحيل .

فقال هشام بغضب : انتي شيطانه .

ضحكت حسناء باستهزاء ثم قالت : وانا اجي جانبك ايه .

ثم صمتت للحظات واردفت قائلة : انا ست شريفه حفظت على شرف جوزها وخدت له حقه لما اتظلم الدور والباقي عليك انت رميت واحد في السجن ظلم ضيعت مستقبله ومستقبل اسره كامله علشان راجل نجس .

انصرفت حسناء وقفلت باب الشقة خلفها بقوة اما هشام فظل يبكي كالطفل الصغير لا يعلم الحقيقة من الوهم هل هو عاقل ام مريض ؟ وهل هو جاني ام ضحيه ؟

وفي النهاية قرر أن يذهب للطبيب النفسي مستسلما للعلاج ولكنه على الأقل تأكد من شيء واحد وهو ان مدينه الاحلام لا اساس لها من ارض الواقع وانما عباره عن هلاوس وخيالات ليس أكثر نغصت عليه حياته وحولتها إلى كابوس لا ينتهي .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق