الأربعاء، 21 يوليو 2021

احلام غريبة ( الجزء الأول )

-١-

استيقظ هشام على صوت رقيق ينادي عليه فتح عينه ليجد فتاه غايه في الجمال تبتسم له بشره بيضاء كالحليب عيون زرقاء شعر اسود كالليل قوام متناسق لتشبه حور العين بجنه الفردوس

 سألها باندهاش : انتي مين  ؟

رددت بهدوء ومازالت الابتسامة على وجهها : انا واحده من ضمن الف واحده كلنا جواريك يا مولاي السلطان .

اندهش هاشم من حديثها الغريب وما جعله يندهش أكثر من ذلك تلك الحجرة التي وجد نفسه فيها شيء اشبه بالغرف الملكية الخاصة بالملوك والأمراء حجره واسعه اثاثها فاخر سرير كبير يكفي لأسره كبيرة دولاب بحجم غرفة  سقف الحجرة الملكية مرتفع للسماء تدلى منه ثرى ضخمه .

   سألها هشام بقلق : انا فين وجيت هنا ازاي ؟

رددت بهدوء : انت هنا في اودتك يا مولاي .

لمح هشام برواز كبير على الحائط به صورته مرتديا زي الملوك وعلى رأسه تاج جالسا فوق عرشة ملامحه توحي بالكبرياء ، احس هاشم في هذه اللحظة بأنه في طريقة للجنون امسك رأسه بقوة نظر للفتاه بشزر وهو يشير للبرواز بعصبية

ثم صرخ في وجهها قائلا  : صورة مين ده ؟

إجابته باندهاش : دي صورتك يا مولاي السلطان .

انقض عليها وأمسك زراعها بقوة ثم قال : انتي هتشتغلني .

رددت بخوف : هو انا زعلتك في حاجه يا مولاي .

صرخ فيها قائلا : عايز اعرف ايه اللي بيحصل مين اللي جابني هنا والصورة دي اتصورت ازاي وقبل كل ده انتي مين ؟

صمتت الفتاة قليلا كي تبحث عن كلمات مناسبه تقولها فقطع هشام صمتها قائلا : انطقي بقى .

رددت بخوف : في الاول حاول تصدق الكلام اللي هقوله .

فقاطعها قائلا: اخلصي يالا .

ابتسمت لتزيل توترها ثم قالت : بصراحه ومن غير لف ودوران انت دلوقتي ميت .

ثم اختفت فجأة وكأنها لم تكن التفت هشام حوله يبحث عنها ولكنه لم يجدها ثم حدث ارتدام  شديد تسبب في حدوث كدمات  نتيجة وقوع هشام من الفراش وهو نائم لم يبالي  بالكدمات الناتجة من أثر الوقوع على الارض كل ما شغل باله ذلك الحلم الغريب والذي عرف في نهايته بأنه ميت .

-٢-

هشام رجل اربعيني وسيم طويل القامه أنيق المظهر لم يتزوج حتى الآن بالرغم من أنه ميسور الحال ولكن رفضه للزواج بسبب عشقة للحرية وإيمانه الشديد بأن امرأه واحده لا تكفي فتعدد النساء في حياه الرجل سر من أسرار السعادة على وجه الأرض ، يمتلك هشام مقهي يعود عليه بدخل كبير خاصه أن المقهى مكانه مميز بوسط البلد يقضي فيه طول اليوم على ما يزيد اثني عشر ساعه دون الاحساس بالملل أو الضيق .

المقهى رواده كثيرين من أعمار مختلفة شباب وبنات ؛ رجال كبار السن فاتهم قطار الشباب منذ عشرات السنوات ونساء ما بين العقد الثالث والرابع اغلبهم مطلقات أو من يعشقن الحرية وتعدد العلاقات وهذا النوع يفضله هشام لأنه فريسه سهله للباحثين عن المتعة .

ظل هشام باله مشغول بذلك الحلم حتى وهو جالس في المقهى بالركن المخصص له والمنزوي بعيدا عن الصخب والانظار اقتربت منه حسناء وقفت أمامه دون أن يشعر عقله شارد في كلمات الفتاه الموجودة في الحلم ، حسناء امرأه جميله ارملة لم تتخطى الثلاثين عام بشره خمريه عيون عسليه تتميز برقة وأنوثة تختلف عن أي امرأه أخرى من رواد المكان وتعتبر الأقرب لقلب هشام .

وقفت أمامه لعده دقائق دون أن يشعر بها ثم ضحكت بصوت عالي فاق هشام من شروده قائلا : بتضحكي على ايه ؟

فردت حسناء قائله : انا واقفه بقالي كتير وانت سرحان في ملكوت تاني .

ابتسم لها هشام ثم قال : اقعدي يا حسناء .

جلست حسناء أمامه ثم قالت : قولي بقى كنت سرحان في إيه ؟

رد هشام بتأفف : حلم غريب.

قطع حديثهم اقتراب النادل حيث سأل حسناء عن طلباتها فطلبت قهوة فرنساوي كعادتها وبعد انصراف النادل ابتسمت مرة اخرى ثم قالت بجدية : ايه بقى الحلم الغريب اللي شاغل بالك بالشكل ده ؟

تنهد هشام بقوة ثم قال : حلم غريب اوي في الاول كان جميل كأني في الجنة وفي الاخر قلب كابوس زي ما اكون جوه قبري وبتحاسب .

عاد النادل إلى المنضدة مره أخرى وضع كوب القهوة الفرنساوي ثم انصرف وقبل أن يبدا هشام في سرد أحداث الحلم رن هاتف حسناء فأغلقت هاتفها المحمول قائله بوجه عابث : انا مش هاسيبك لحد ما تحكيلي الحلم الغريب بتاعك .

سرد هشام لها الأحداث بداية من ظهور الفتاه الجميلة في الحلم مررا بأنه عرف منها انه ميت واختفت فجأة من امامه الا ان وقع من الفراش متأثرا بكدمات طفيفة اندهشت حسناء من تلك الحكاية ثم قالت باندهاش واضح على ملامحها : انت متأكد انها قالتلك انت ميت

فرد هشام بضيق : اه طبعا .

صمتت حسناء قليلا وكأنها تفكر في شيء ما لاحظ هشام ذلك فحاول قرأه افكارها كعادته وحينما فشل قال لها بغضب : انتي في حاجه مخبيها عليه .

رددت حسناء دون تفكير : بصراحه اه

فسالها هشام مندهشا : في إيه ؟

صمتت حسناء للحظات ترتب الأحداث في عقلها ثم قالت : عماد جوزي الله يرحمه مر بنفس الظروف اللي انت بتمر بيها دلوقتي .

سألها هشام مستفسرا : انهي ظروف دي اللي مربيها ؟

إجابته حسناء بحزن : كان بيحلم أحلام جميله وفي نهاية كل حلم بتجيله اشاره أنه لو مات موته هيكون تذكره دخوله مدينه الأحلام .

سألها هشام بعدم فهم : مش فاهم حاجه !

أشعلت حسناء سيجاره لتخفي توترها ثم قالت : من خمس سنين تقريبا حكالي عماد أنه شاف حلم غريب اوي فتح عينه فلقى نفسه جوه خزنه كبيره اوي مليانه فلوس اغلبها عملات اجنبيه ده غير سبايك الدهب وفجأة طلع له واحد من تحت الأرض انحنى قدامه وقاله : طلباتك سموك .

رد عليه عماد وقاله : انا فين وايه الخزنة دي !

رد عليه الراجل وقاله : دي خزنتك سموك وانت جوه قصرك .

عماد قاله باستغراب : قصري طب ازاي !

رد عليه الراجل وقاله : بصراحه كده سموك ميت .

استمع هشام للحكاية بتركيز شديد ولم يستطع إخفاء التوتر والقلق الظاهر عليه فقال بضيق : قصدك انها اشاره اني هموت قريب .

رددت حسناء بهدوء مستنكره : لا الحكاية مش كده خالص .

سألها هشام : امال ايه الحكاية ؟

عادت حسناء بذاكرتها إلى الماضي وهي تسرد ما حدث قائله : من خمستاشر سنه وانا طالبه في ثانوي قريت رواية لكاتب مغمور يمكن ما كتبش غيرها اسمها مذكرات ميت باختصار الرواية دي بتتكلم عن مدينه الأحلام .

فقاطعها هشام قائلا: وايه علاقه الرواية ومدينه الأحلام بحكاية الحلم اللي حلمته ؟

عادت حسناء لسرد حكايتها ولم تبالى بمقاطعته لها فقالت : بطل الرواية كان بيحلم احلام غريبه احيانا يبقى ملك لمملكة كبيرة اشبه بمملكة سليمان واحيانا يبقى نجم سينمائي كبير كل الستات تجري وراه واحيانا واحد من اكبر رجال الأعمال في العالم وأحلام تانيه كتير المهم أن كل حلم من الأحلام دي كانت بتجيله اشاره واضحه بأن موته تأشيره دخوله مدينه الأحلام وطبعا بطل الرواية بينتحر وبيكتب مذكراته من مدينه الأحلام .

ضحك هشام باستهزاء ثم قال : الكاتب بتاعك ده خياله واسع اوي .

قالت بجديه : الكاتب ده انتحر بعد ما الرواية اتنشرت مباشره .

نطق بجديه وكأنه يخشى أن يصدق تلك الخرفات حيث قال : اكيد الراجل ده مدمن مخدرات وانتي عارفه المخدرات بتلحس الدماغ .

رددت حسناء بصرامه مدافعه عن موقفها : عماد جوزي حلم احلام كتير من النوعية دي وفي الاخر انتحر علشان يخش مدينه الأحلام .

علق هشام على حديثها حيث قال : اكيد جوزك قرأ الرواية بتاعت الراجل المخبول ده أتأثر بيها وانتحر علشان يخش مدينه المخابيل بتاعته .

ثم ضحك باستهزاء مرادفا : جوزك ده شكله كان غلبان وساذج اوي .

رددت حسناء بصرامه : بكره الحقيقة تكشف المستور وتعرف مين عاقل ومين مخبول .

ثم تركته وانصرفت اما هو فانشغل بحديثها أكثر من الحلم نفسه .

بعد منتصف الليل عاد هشام إلى بيته عاد إلى عالم الوحدة ما بين اربع جدران  حالته النفسية سيئة بسبب تلك الخرفات ولهذا فكر أن يدخن سيجارة حشيش حتى يخرج من ذلك المود الكئيب وبالفعل لف سيجاره حشيش مفرطة السمنة وظل يسحب أنفاسها بهدوء وقبل أن يصل إلى نصفها غلبه النعاس فنام مكانه على الأريكة دون أدنى مقاومه منه .

هشام يسير على ممر خشبي ضيق في وسط البحر الموج شديد يكاد أن يحطم الممر الخشبي هشام جسده يرتجف من الخوف قلبه يكاد يتوقف عن النبض خاصه أن الممر طويل لا ينتهي وبعد عناء شديد وصل إلى الجهة الأخرى من الشط حيث سمع صوت شخص غريب الأطوار ينادي عليه يتميز صوته بأنه اجش ومزعج للغاية      

 حيث نادى الرجل غريب الاطوار عليه قائلا : يا عز انا هنا  .

لم يبالي هشام بذلك الشخص فأوقفه الرجل قائلا : انت ما بتردش عليه ليه؟

انقبض قلب هشام من ذلك الرجل وذلك لمظهره المخيف حيث انه ضخم الجثة بشرته سوداء وجهه ملئ بالندبات  وما اخافه أكثر صوته الاجش مل الرجل من ذهول هشام فصرخ فيه قائلا : مالك يا عز مبلم كده ليه ؟

نطق هشام بتلعثم : انت تعرفني .

ضحك الرجل ثم قال : انت عندك زهايمر .

سأله هشام : انت مين ؟

اجابه الرجل باندهاش : معقوله تكون نسيت شديد صاحبك ودراعك اليمين

رد هشام بيأس : انا مش فاكر حاجه من اللي انت قولتها .

فقال الرجل بقلق : انت فكرتني بأول مره قابلتك فيها بعد ما مت كنت فاقد الذاكرة بردو .

سأله هشام بفزع : هو مين اللي مات ؟

فأجابه شديد بهدوء : انت اللي مت من سنتين وانا اخدتك من ايدك شغلتك قواد وانت بشطرتك وذكائك اتفوقت عليه مش بس كده لا ده انت بقيت أكبر قواد في المدينة وحظك النار خلى السلطان يعينك قواده الخاص .

رد هشام بضيق : انا قواد !

استيقظ هشام  من النوم مفزوعا وكأن ثعبان لدعه شعر بمراره شديده في حلقه لقد أصبح الوهم حقيقه الموت قادم لا محاله سيصيبه الجنون وينتحر مثل غيره ليصل إلى مدينه الأحلام  وبعد عده ساعات قرر أن يسافر احتمال كبير أن تتعلق تلك الأحلام بحالته النفسية السيئة ، استقل هشام سيارته الصغيرة وخلال ساعتان كان أمام شاله الصغير بالعجمي .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق