الأربعاء، 28 يوليو 2021

العملاق ( الجزء الأول )

-١-

تعود رحاب من عملها في منتصف الليل في اغلب الاحيان ، فهي ممرضه في إحدى المستشفيات الخاصة واغلب وراديها ليلا ، رحاب فتاه جميله في منتصف العقد العشرين ، بيضاء ، ملفوفه القوام ، تمتلك أنوثه تجعلها تتربع على عرش النساء بكل سهولة ومع ذلك فهي طفلة من داخلها ، لها قلب ابيض وأحاسيس مرهفة

في هذا اليوم تحديدا أثناء عودتها من العمل وفي طريقها إلى البيت ، اوقفها اثنين من البلطجية ملامحهما توحي بالشر ، نظراتهما لها جائعة تشبه نظرات الوحش المفترس لفريسته ، انقبض قلب رحاب من شده الخوف وارتعش جسدها ، خاصتا بأن الشارع في هذا التوقيت لا يمر منه أحد ، تجرأ أحدهم وشدها بعنف من يدها ليجذبها نحوه ، حاولت المقاومة ولكن لا جدوى من هذا حيث قام الاخر بسحب سلاح ابيض من جيبه واشاحه في وجهها قائلا : امشي معانا من سكات بدل مدبحك ، وكده كده محدش هيحس بيكي ، ده احنا في حته مقطوعه .

قالت رحاب بتوسل : ابوس ايديكم سيبوني في حالي .

فرد الاخر بثقه مبالغ فيها : بقولك ايه يا موزه ، انتي كده كده بتاعتنا النهارده ، فتعالي معانا بالذوق بدل متيجي غصب عنك .

بكت رحاب بحرقه وظلت تصرخ بقوه : الحقوني يا ناس ، انا في عرضكم .

تعامل معها البلطجية بمنتهى العنف لكي تطاوعهما وتذهب معهما إلى الجحيم ، في هذه اللحظة العصبية ظهر شخص من الظلام ، وكأنه سقط من السماء لينقذ هذه الفتاه في محنتها ، شاب عملاق ، ضخم الجثة ، يشبه ابطال المصارعة الحرة ، ملامح وجه قاسيه وكأنها منحوتة ببارعة ، نطق هذا العملاق بصوت اجش قائلا : سيبوها وامشوا بدل مدفنكم مطرحكوا .

تعلقت نظرات رحاب بهذا العملاق فهو الآن طوق النجاة بالنسبة لها ، ابتسم لها العملاق حتي تشعر بالاطمئنان ولكن هذا الاطمئنان تلاشى سريعا خاصتا حينما رد احد البلطجية عليه قائلا : لو قربت خطوه واحده هدبحك .

ثم أشار إليه بالسكين الأبيض من بعيد كحيله لزرع الخوف داخله ، اقترب منهما العملاق بخطوات واثقه انهال عليه أحدهما بالسكين ولكن لا جدوى من هذا فتلك الطعنات لم تؤثر فيه وكأن جسده من الفولاذ ، فالسكين لم يدخل جسده من الاساس حتى انكسر سلاح السكين إلى نصفين ، وقبل أن تتلاشى اثر الصدمة من ملامح البلطجي ، قبض العملاق بيده اليمنى على رقبته ورفعه إلى أعلى وظل يضغط بيده حول رقبته حتى لفظ أنفاسه الأخيرة ثم أطاح به في الأرض وهو جثه هامده تصنع حولها بركه من الدماء تحت قدم رحاب التي الجمها الخوف وظلت تبكي بلا صوت وهي صامته محتضنه شجره صغيرة بجوارها ، اما البلطجي الثاني فقد هرب من بداية المعركة لينجو بحياته من الموت .

اقترب العملاق من الفتاه الخائفة ثم قال لها بصوته الاجش : يالا امشي ، متخافيش هفضل متابعك من بعيد لحد متوصلي البيت .

ابتسمت رحاب له ثم قالت : بجد مش عارفه اقولك ايه !

رد عليها قائلا : لو عايزه تشكرني بجد يبقى لازم تتعلمي ازاي تحمي نفسك .

ثم انصرف بعدها قبل حتى أن يسمع ردها وطبعا لم تتحمل رحاب أن تقف لحظه واحده بجوار البلطجي وركضت إلى البيت بأقصى سرعه .

-٢-

استيقظ عبد الحميد مفزوعا على صوت طرقات عنيفة على باب الشقة ، لم يستيقظ عبد الحميد وحده وإنما استيقظت زوجته وابنته حياة ، وقبل أن يصل عبد الحميد إلى باب الشقة ليعرف من الطارق ، كسر المعلم علوان باب الشقة واقتحم البيت هو ورجاله دون استأذن ودون مراعاه حرمه البيت .

علوان رجل عجوز في العقد السادس ولكنه يمتلك جسد شاب في العقد الثالث بيتمتع بصحه جيده ، علوان بلطجي أتى إلى هذه العذبة منذ أكثر من أربعين عام ليختبئ فيها من الحكومة خاصتا أنه تورط في جريمة قتل ، واصل الحكاية أنه دخل شقة امرأه عجوز تعيش بمفردها ليسرقها ثم تفاجأ بوجودها أمامه فقتلها قبل أن تصرخ وهرب إلى العذبة ، ومنذ هذه اللحظة لم يخرج من العذبة ، علوان شرس ودموي يحكم هذه العذبة منذ عشرات السنين ، يحكمها بالحديد والنار ، الكل يخشاه ويخافه ، كلمته أمر وعلى الجميع السمع والطاعة دون مناقشه أو حتي تفكير في الأمر،  علوان ظالم ولكنه قانون يخضع له الجميع ، فهو قضائهم وقدرهم وعليهم تحمله سواء بالرضا أو بالغصب .

سأله عبد الحميد بخوف : في حد يا معلم يخش بيوت الناس بالطريقة دي .

نظر علوان ناحيه حياة المختبئة خلف أبوها بود ثم قال لأبوها : كل بيوت العذبة بيتي ، ادخلها في الوقت اللي انا عايزه .  

فرد عبد الحميد عليه قائلا : البيوت لها حرمه يا معلم علوان .

قال علوان بغضب حتى ينهي الحديث : هتجوزني حياة ولا لأ .

صمت عبد الحميد قليلا ثم نظر إلى حياه ابنته ، نظر إليها نظره اب يتعاطف مع ابنته ، اب يمكنه أن يضحى بنفسه في سبيل إنقاذ ابنته من التعاسة حتى ولو على حساب حياته نفسها .

أعاد علوان سؤاله بإلحاح على عبد الحميد حيث قال : خلصني ، هتجوزني حياة ولا لأ .

رد عبد الحميد بخوف : لأ يا معلم علوان ، لو جوزتهالك ابقى حكمه عليها بالإعدام

صرخ علوان في وجهه قائلا : صرصار زيك يقولي لأ، ده انا اهرسك تحت جذمتي

قال عبد الحميد معاتبا : عيب الكلام ده يا معلم علوان .

فرد علوان بقسوة : من النهارده ملكش مكان في العذبة .

فسأله عبد الحميد : يعني ايه ؟

فقال علوان بصيغه الأمر : هتخرج انت ومراتك وبنتك من الحارة ، مش هترجعولها تاني .

فسأله عبد الحميد بخوف : طب وبيتي اللي في الحارة ؟

فصرخ علوان في وجهه : ملكش في العذبة بيوت ، ده بيتي انا .

استسلم عبد الحميد إلى أمر علوان تحت راية الخوف وطلب من زوجته وابنته حياه بلم ملابسهم في الحقائب حتى يتركوا البيت بلا عودة .

فقال علوان بحسم : هتخرجوا من هنا باللبس اللي عليكم ، سيبوا كل حاجه مكانها .

بكت زوجه عبد الحميد بحرقة ثم قالت : حسبنا الله ونعم الوكيل فيك يا علوان .

ضحك علوان ثم قال بغرور: حسبني يا ولية زي ما انت عايزه .

وقبل أن يغادر عبد الحميد واهله ، اقتحم العملاق البيت بثقه مبالغ فيها ، نظر له علوان بشزر ثم سأله : انت مين ؟

فرد العملاق بحده : انا فتوة الضعيف وناصر المظلوم .

ضحك علوان ثم قال باستهزاء : طب غور من هنا ، بدل مخلي رجلتي يرموك من الشباك .

انقض العملاق على علوان احتضنه بقوة وظل يضغط على ظهرة بعنف ، علوان يتألم ويصرخ كالنساء ، التف صبيان المعلم حولهما وظلوا يضربوا العملاق على ظهرة بالشوم والأسلحة البيضاء ولكن لا جدوى من كل هذا ، الشوم والسلاح الأبيض ينكسر على ظهر العملاق وكأنه زجاج ، مازال العملاق يضغط بقوة على ظهر علوان ، مازال علوان يصرخ كالنساء حتى انقسم ظهره ولفظ أنفاسه الأخيرة فتركه العملاق ليهوى في الأرض جثه هامده ليصبح عبره لكل ظالم ، التف العملاق لصبيان المرحوم علوان ثم انهال عليهم بالكلمات والركلات فصرخوا كالنساء ثم ركضوا خارج البيت مستسلمين بإصابات بالغه .

وفي النهاية عاد البيت إلى أصحابه عبد الحميد واهله ليعيشوا في امان بعد موت علوان ، وقبل أن ينصرف العملاق من البيت اوقفه عبد الحميد قائلا : انت رحمتنا من الذل وكسره النفس ، رجعتلنا حقنا من بوء السبع .

رد العملاق بحزم : انت راجل طيب يا عبد الحميد ، بس عيبك انك ضعيف ، لازم تبقى قوي علشان تقدر تحمي بيتك واهلك .

تخلت حياة اول مره عن صمتها حيث قالت : انت انقذت اهل العذبة من ظلم علوان  

ابتسم لها العملاق ثم قال : لما واحد يبقى عمره ستين سنه عايز يتجوز واحده عمرها خمستاشر سنه غصب عنها وعن اهلها ، ده يبقى حيوان ولازم يموت .

خرج العملاق من العذبة ونظرات الأهالي متعلقة به بإعجاب ، تصفيق حاد من الرجال ، زغاريد متتالية من النساء ليودعوا هذا البطل الذي انقذهم من الجحيم المخلد علوان  .

هناك تعليق واحد: